الشيخ محمد علي طه الدرة

436

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

كأنّه ذنب السّرحان ؛ فإنّه لا يحلّ شيئا ، ولا يحرّمه ، وأمّا المستطيل الّذي عارض الأفق ؛ ففيه تحلّ الصّلاة ، ويحرم الطّعام » . هذا مرسل . وروى الدّارقطني عن عائشة - رضي اللّه عنها - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من لم يبيّت الصّيام قبل طلوع الفجر ؛ فلا صيام له » . قال الشاعر : [ البسيط ] الخيط الأبيض ضوء الصّبح منفلق * والخيط الأسود جنح اللّيل مكتوم ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ : فإذا جاء الليل ؛ فقد حلّ الأكل ، والشّرب ، والجماع ، وكلّ شيء كان محظورا ، كما جاء في الصحيحين من قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أقبل اللّيل من هاهنا ، وأدبر النّهار من هاهنا فقد أفطر الصّائم » . ويستحبّ تعجيل الإفطار ، لما رواه سهل بن سعد الساعدي - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يزال النّاس بخير ما عجّلوا الفطر » . أخرجه أحمد ، والترمذيّ . وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ : لا تجامعوا النساء ، وأنتم مقيمون في المساجد بنية الاعتكاف . والمعلوم : أنّ الجماع في المسجد حرام ، بل هو كبيرة من غير نيّة الاعتكاف ، ولكن المراد : أنّ الجماع لا يجوز للمعتكف ، ولو في بيته ما دام متلبسا بنيّة الاعتكاف ، وهذا إذا كان الاعتكاف منذورا ، أو مقيّدا بمدة معلومة ، فأما إذا كان مطلقا ، وتطوعا ، فله إبطال نيته ، والجماع ، ثم إذا أراد الاعتكاف ؛ فليجدّد نيته . هذا ؛ وأقلّ الاعتكاف عند مالك ، وأبي حنيفة ، ورواية عن أحمد : يوم وليلة ، وشرطه الصّوم ، وعند الشافعيّ ، وقول آخر لأحمد : أقلّه لحظة ، ولا حدّ لأكثره ، وليس من شرطه الصوم ، لذا يندب في حق الدّاخل المسجد أن ينوي الاعتكاف ، ولو دخل لأداء الصّلاة المفروضة عند الشّافعيّ . ونرجو من اللّه الأجر والثواب إن تأدب الدّاخل بآداب المسجد ، وأمّا إن دخل يهرهر ، وخرج يهرهر ؛ فبشره بالوزر ، وويل له إن جلس بعد الصّلاة ، وتكلم الكلام في الدّنيا من غير ذكر ، فبشره بأنه يخرج من المسجد محملا بالأوزار ، وعرضة لغضب الواحد القهار . والأحاديث التي تشدّد النكير على الذين يجعلون المسجد مقهى كثيرة مشهورة مسطورة ، أكتفي منها بما يلي : عن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سيكون في آخر الزّمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم ، ليس للّه فيهم حاجة » . رواه ابن حبان . وفي رواية : « فلا تجالسوهم ، فليس للّه فيهم حاجة » . تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي : الأحكام التي ذكرت في هذه الآية ، جمع : حدّ ، وهو في اللغة : الحاجز بين شيئين متجاورين ، والمراد هنا : الحدّ الفاصل بين الحلال والحرام ، فلذا يعاقب من تجاوزه بالحدّ ، وهو العقوبة المقرّرة لذلك . فَلا تَقْرَبُوها : نهى عن قربانها ، فضلا عن انتهاكها ، والقاعدة : أنّ الأحكام إذا كانت نواهي ، يقال فيها : فلا تقربوها ؛ على حدّ قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ، وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ وهكذا ، وإن كانت أوامر ، يقال فيها : ( لا تَعْتَدُوها ) أي : لا تتجاوزوها ، كما في الآية رقم [ 228 ] الآتية ، وما هنا من قبيل الأوّل ، والآية الأخرى من قبيل الثاني ، فكلّ جاء على ما يليق به . انظر الآية رقم [ 228 ] ففيها بحث جيّد ، والحمد للّه ! .